اقتضاء الحرمة للبطلانالحرمة حكم تكليفى ، والبطلان حكم وضعى قد توصف به العبادة ، وقد توصف به المعاملة ، ويراد ببطلان العبادة أنها غير مجزية ، ولابد من إعادتها أو قضائها ، وببطلان المعاملة أنها غير مؤثرة ولا يترتب عليها مضمونها ، وقد وقع الكلام فى أن التحريم هل يستلزم البطلان أولا؟أما تحريم العبادة فيستلزم بطلانها وذلك :أما أولا فلان تحريمها يعنى عدم شمول الامر لها ، لامتناع إجتماع الامر والنهى ، ومع عدم شموله لها لا تكون مجزية ولا يسقط بها الامر ، وهو معنى البطلان.فان قيل : إن الامر غير شامل ، ولكن لعل ملاك الوجوب شامل لها ، وإذا كانت واجدة للملاك ومستوفية له فيسقط الامر بها.قلنا : إنه بعد عدم شمول الامر لها لا دليل على شمول الملاك ، لان الملاك إنما يعرف من ناحية الامر.وهذا البيان ، كما يأتى فى العبادة المحرمة ، يأتى أيضا فى كل مصداق لطبيعةمأمور بها ، سواء كان الامر تعبديا أو توصليا.وأما ثانيا : فلاننا نفترض مثلا أن الملاك موجود فى تلك العبادة المحرمة ، ولكنها ما دامت محرمة ومبغوضة للمولى فلا يمكن التقرب بها نحوه ، ومعه لا تقع عبادة لتصح وتجزى عن الامر ، وهذا البيان يختص بالعبادات ولا يجرى فى غيرها.وأما تحريم المعاملة فتارة يراد به تحريم السبب المعاملى الذى يمارسه المتعاملان ، وهو الايجاب والقبول مثلا ، واخرى يراد به تحريم المسبب ، أى التمليك الحاصل نتيجة لذلك.ففى الحالة الاولى لا يستلزم تحريم السبب بطلانه وعدم الحكم بنفوذه ، كما لا يستلزم صحته ونفوذه ، ولا يأبى العقل عن أن يكون صدور شىء من المكلف مبغوضا للمولى ، ولكنه إذا صدر ترتب عليه بحكم الشارع أثره الخاص به كما فى الظهار ، فانه محرم ولكنه نافذ ويترتب عليه الاثر.وفى الحالة الثانية قد يقال : إن التحريم المذكور يستلزم الصحة. لانه لا يتعلق إلا بمقدور ، ولا يكون المسبب مقدوراإلاإذا كان السبب نافذا ، فتحريم المسبب يستلزم نفوذ السبب وصحة المعاملة.وينبغى التنبيه هنا على أن النهى فى موارد العبادات والمعاملات كثيرا ما يستعمل لا لافادة التحريم ، بل لا فادة مانعية متعلق النهى ، أو شرطية نقيضه ، وفى مثل ذلك لا إشكال فى أنه يدل على البطلان ، كما فى ( لا تصل فيما لا يؤكل لحمه ) الدال على مانعية لبس ما هو مأخوذ مما لا يؤكل لحمه أو ( لا تبع بدون كيل ) الدال على شرطية الكيل ، ونحو ذلك ، ودلالته على البطلان باعتباره إرشاداإلى المانعية أو الشرطية ، ومن الواضح أن المركب يختل بوجود المانع أو فقدان الشرط ، ولا علاقة لذلك باستلزام الحرمة التكليفية للبطلان.مسقطات الحكمميسقط الحكم بالوجوب وغيره بعدة امور :منها : الاتيان بمتعلقه.ومنها : عصيانه.وهذان الامران ليسا قيدين فى حكم المجعول ، وإنما تنتهى بهما فاعلية هذا الحكم ومحركيته.ومنها : الاتيان بكل فعل جعله الشارع مسقطا للوجوب ، بأن أحد عدمه قيدا فى بقاء الوجوب المجعول.ومنها : امتثال الامر الاضطرارى ، فانه مجز عن الامر الواقعى الاولى فى بعض الحالات ، وتفصيل ذلك : أنه إذا وجبت الصلاة مع القيام ، وتعذر القيام على المكلف ، فأمر الشارع أمراإضطراريا بالصلاة من جلوس ، فلذلك صورتان :الاولى : أن يفرض إختصاص الامر الاضطرارى بمن يستمر عجزه عن القيام طيلة الوقت.الثانية : أن يفرض شموله لكل من كان عاجزا عن القيام عندإرادة الصلاة ، سواء تجددت له القدرة بعد ذلك أولا.ففى الصورة الاولى لو صلى المكلف العاجز جالسا فى أول الوقت ، وتجددت له القدرة على القيام قبل خروج الوقت وجبت عليه الاعادة ، لان الامر الواقعى الاولى بالصلاة قائما يشمله بمقتضى إطلاق دليله ، وما أتى به لا موجب للاكتفاء به.وأما فى الصورة الثانية فلا تجب الاعادة على من صلى جالسا فى أول الوقت ثم تجددت له القدرة قبل خروجه ، وذلك لان صلاة الجالس التى أداها قد تعلق بها الامر بحسب الفرض ، وهذا الامر ليس تعيينيا ، لانه لو لم يصل من جلوس فى أول الوقت وصلى من قيام فى آخر الوقت لكفاه ذلك بلاإشكال ، فهوإذن أمر تخييرى بين الصلاة الاضطرارية فى حال العجز والصلاة الاختيارية فى حال القدرة ، ولو وجبت الاعادة لكان معنى هذا أن التخيير لا يكون بين هذه الصلاة وتلك ، بل بين أن يجمع بين الصلاتين وبين أن ينتظر ويقتصر على الصلاة الاختيارية ، وهذا تخيير بين الاقل والاكثر فى الايجاب ، وهو غير معقول ، كما تقدم. وبهذا يثبت أن الامر الاضطرارى فى الصورة الثانية يقتضى كون إمتثاله مجزيا عن الامر الواقعى الاختيارى. وتعرف بذلك ثمرة البحث فى إمتناع التخيير بين الاقل والاكثر.امكان النسخ وتصويرهمن الظواهر المألوفة فى الحياة الاعتيادية أن يشرع المشرع حكما مؤمنا بصحة تشريعه ، ثم ينكشف له أن المصلحة على خلافه ، فينسخه ويتراجع عن تقديره السابق للمصلحة وعن إرادته التى نشأت من ذلك التقدير الخاطى.وهذا الافتراض مستحيل فى حق البارى سبحانه وتعالى ، لان الجهل لا يجوز عليه عقلا ، فأى تقدير للمصلحة وأى إرادة تنشأ من هذا التقدير لا يمكن أن يطرأ عليه تبدل وعدول مع حفظ مجموع الظروف التى لوحظت عند تحقق ذلك التقدير وتلك الارادة.ومن هنا صح القول بأن النسخ بمعناه الحقيقى المساوق للعدول غير معقول فى مبادىء الحكم الشرعى من تقدير المصلحة والمفسدة وتحقق الارادة والكراهة.وكل حالات النسخ الشرعى مردهاإلى أن المصلحة المقدرة مثلا كان لها أمد محدد من أول الامر وقد انتهى ، وأن الارادة التى حصلت بسبب ذلك التقدير كانت محددة تبعا للمصلحة ، والنسخ معناه انتهاءحدها ووقتها الموقت لها من أول الامر ، وهذا هو النسخ بالمعنى المجازى.ولكن هناك مرحلة للحكم بعد تلك المبادىء ، وهى مرحلة الجعل والاعتبار ، وفى هذه المرحلة يمكن تصوير النسخ بمعناه الحقيقى ، ومعناه المجازى معا.أما تصويره بالمعنى الحقيقى فبأن نفترض أن المولى جعل الحكم على طبيعى المكلف دون أن يقيده بزمان دون زمان ، ثم بعد ذلك يلغى ذلك الجعل ويرفعه تبعا لما سبق فى علمه من أن الملاك مرتبط بزمان مخصوص ، ولا يلزم من ذلك محذور ، لان الاطلاق فى الجعل لم ينشأ من عدم علم المولى بدخل الزمان المخصوص فى الملاك ، بل قد ينشأ لمصلحة اخرى كاشعار المكلف بهيبة الحكم وأبديته.وأما تصويره بالمعنى المجازى فبأن نفترض أن المولى جعل الحكم على طبيعى المكلف المقيد بأن يكون فى السنة الاولى من الهجرة مثلا ، فإذا انتهت تلك السنة انتهى زمان المجعول ولم يطرأ تغيير على نفس الجعل.والافتراض الاول أقرب إلى معنى النسخ ، كما هو ظاهر.الملازمة بين الحسن والقبح والامر والنهىالحسن والقبح أمران واقعيان يدركهما العقل.ومرجع الاول إلى أن الفعل مما ينبغى صدوره.ومرجع الثانى إلى أنه مما لا ينبغى صدوره.وهذا الانبغاءإثباتا وسلبا أمر تكوينى واقعى وليس مجعولا ، ودور العقل بالنسبة إليه دور المدرك لا دور المنشىء والحاكم ، ويسمى هذا الادراك بالحكم العقلى توسعا.وقد إدعى جماعة من الاصوليين الملازمة بين حسن الفعل عقلا ، والامر به شرعا ، وبين قبح الفعل عقلا ، والنهى عنه شرعا ، وفصل بعض المدققين منهم بين نوعين من الحسن والقبح.أحدهما : الحسن والقبح الواقعان فى مرحلة متأخرة عن حكم شرعى والمرتبطان بعالم امتثاله وعصيانه ، من قبيل حسن الوضوء باعتباره طاعة لامر شرعى ، وقبح أكل لحم الارنب بوصفه معصية لنهى شرعى.والاخر : الحسن والقبح الواقعان بصورة منفصلة عن الحكم الشرعى ، كحسن الصدق والامانة ، وقبح الكذب والخيانة ، ففى النوعالاول يستحيل أن يكون الحسن والقبح مستلزما للحكم الشرعى ، وإلا للزم التسلسل ، لان حسن الطاعة وقبح المعصية إذا استتبعا أمرا ونهيا شرعيين ، كانت طاعة ذلك الامر حسنة عقلا ، ومعصية هذا النهى قبيحة عقلا أيضا ، وهذا الحسن والقبح يستلزم بدوره أمرا ونهيا ، وهكذا حتى يتسلسل.وأما فى النوع الثانى ، فالاستلزام ثابت وليس فيه محذور التسلسل.الاستقراء والقياسعرفنا سابقا أن الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد والملاكات التى يقدرها المولى وفق حكمته ورعايته لعباده ، وليست جزافا أو تشهيا.وعليه فاذا حرم الشارع شيئا ، كالخمر مثلا ، ولم ينص على الملاك والمناط فى تحريمه ، فقد يستنتجه العقل ويحدس به ، وفى حالة الحدس به يحدس حينئذ بثبوت الحكم فى كل الحالات التى يشملها ذلك الملاك ، لان الملاك بمثابة العلة لحكم الشارع وإدراك العلة يستوجب إدراك المعلول.وأما كيف يحدس العقل بملاك الحكم ويعينه فى صفة محددة ، فهذا ما قد يكون عن طريق الاستقراء تارة وعن طريق القياس اخرى.والمراد بالاستقراء أن يلاحظ الفقيه عددا كبيرا من الاحكام يجدها جميعا تشترك فى حالة واحدة ، من قبيل أن يحصى عددا كبيرا من الحالات التى يعذر فيها الجاهل ، فيجد أن الجهل هو الصفة المشتركة بين كل تلك المعذريات ، فيستنتج أن المناط والملاك فى المعذرية هوالجهل ، فيعمم الحكم إلى سائر حالات الجهل.والمراد بالقياس أن نحصى الحالات والصفات التى من المحتمل أن تكون مناطا للحكم ، وبالتأمل والحدس والاستنادإلى ذوق الشريعة يغلب على الظن أن واحدا منها هو المناط ، فيعمم الحكم إلى كل حالة يوجد فيها ذلك المناط.والاستنتاج القائم على أساس الاستقراء ظنى غالبا ، لان الاستقراء ناقص عادة ، ولا يصل عادة إلى درجة اليقين.والقياس ظنى دائما ، لانه مبنى على استنباط حدسى للمناط ، وكلما كان الحكم العقلى ظنيا احتاج التعويل عليه إلى دليل على حجيته ، كما هو واضح.٢ ـ حجية الدليل العقلىالدليل العقلى تارة يكون قطعيا واخرى يكون ظنيا.فاذا كان الدليل العقلى قطعيا ومؤدياإلى العلم بالحكم الشرعى ، فهو حجة من أجل حجية القطع ، وهى حجية ثابتة للقطع الطريقى مهما كان دليله ومستنده.ولكن هناك من خالف فى ذلك ، وبنى على أن القطع بالحكم الشرعى الناشىء من الدليل العقلى لا أثر له ، ولا يجوز التعويل عليه ، وليس ذلك تجريدا للقطعالطريقى عن الحجية حتى يقال بأنه مستحيل ، بل ادعى أن بالامكان تخريجه على أساس تحويل القطع من طريقى إلى موضوعى بأن يقال :إن الاحكام الشرعية قد أخذ فى موضوعها قيد ، وهو عدم العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلى ، فمع العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلى لا يكون الحكم الشرعى ثابتا لانتفاء قيده ، فلا أثر للعلم المذكور ، إذ لا حكم فى هذه الحالة.وقد يقال : كيف يعقل أن يقال لمن علم بجعل الحكم الشرعىبالدليل : إن الحكم غير ثابت ، مع أنه عالم به؟.والجواب على ذلك : أن هذا عالم بجعل الحكم وما نريد أن ننفيه عنه ليس هو الجعل ، بل المجعول ، فالعلم العقلى بالجعل الشرعى يؤخذ عدمه قيدا فى المجعول ، فلا مجعول مع وجود هذا العلم العقلى ، وإن كان الجعل الشرعى ثابتا ، فلا محذور فى هذا التخريج ، ولكنه بحاجة إلى دليل شرعى على تقييد الاحكام الواقعية بالوجه المذكور ، ولا يوجد دليل من هذا القبيل.وأماإذا كان الدليل العقلى ظنيا ، كما فى الاستقراء الناقص والقياس ، وفى كل قضية من القضايا العقلية المتقدمة ، إذا لم يجزم بها العقل ، ولكنه ظن بها ، فهذا الدليل يحتاج إلى دليل على حجيته وجواز التعويل عليه ، ولا دليل على ذلك ، بل قام الدليل على عدم جواز التعويل على الحدس والرأى والقياس.الاصول العملي١ القاعدة العملية فى حالة الشك.٢ ـ قاعدة منجزية العلم الاجمالى.٣ ـ الاستصحاب.١ ـ القاعدة العملية فى حالة الشكقلنا سابقا : إن الفقيه تارة يحصل على دليل يحرز به الحكم الشرعى ، وأخرى لا يتيسر له إحراز الحكم ، ولكنه يحصل على دليل يحدد الموقف العملى تجاه التكليف المشكوك ، وهو الذى يسمى بالاصل العملى. وهذا القسم من الادلة هو ماسنتحدث عنه هنا.القاعدة العملية الاولية فى حالة الشككلما شك المكلف فى تكليف شرعى ولم يتيسر له إثباته أو نفيه ، فلا بد له من تحديد موقفه العملى تجاه هذا الحكم المشكوك. ويوجد مسلكان فى تحديد هذا الموقف.الاول : مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وهو المسلك المشهور القائل : بأن التكليف ما دام لم يتم عليه البيان ، فيقبح من المولى أن يعاقب على مخالفته.وهذا المسلك يعنى بحسب التحليل ، كما عرفنا فى بحث سابق ، أن حق الطاعة للمولى مختص بالتكاليف المعلومة ولا يشمل المشكوكة.الثانى : مسلك حق الطاعة الذى تقدم شرحه ، وهو مبنى على الايمان بأن حق الطاعة للمولى يشمل كل تكليف غير معلوم العدم ما لم يأذن المولى نفسه فى عدم التحفظ من ناحيته.فبناء على المسلك الاول ، تكون القاعدة العملية الاولية هى البراءة بحكم العقل ، وبناء على المسلك الثانى تكون القاعدة المذكور هى أصالة شغل الذمة بحكم العقل ما لم يثبت إذن من الشارع فى عدمالتحفظ.ويظهر من كلام المحقق النائينى رحمه‌الله أنه حاول الاستدلال على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والبرهنة عليها. ويمكن تلخيص استدلاله فى وجهين :أحدهما : أن التكليف إنما يكون محركا للعبد بوجوده العلمى لا بوجوده الواقعى ، كما هو الحال فى سائر الاغراض الاخرى ، فالاسد مثلاإنما يحرك الانسان نحو الفرار بوجوده المعلوم لا بوجوده الواقعى ، وعليه فلا مقتضى للتحرك مع عدم العلم. ومن الواضح أن العقاب على عدم التحرك مع أنه لا مقتضى للتحرك قبيح.والاخر : الاستشهاد بالاعراف العقلائية ، واستقباح معاقبة الامر فى المجتمعات العقلائية مأموره على مخالفة تكليف غير واصل.أما الوجه الاول فيرد عليه : أن المحرك للعبدإنما هو الخروج عن عهدة حق الطاعة للمولى ، وغرضه الشخصى قائم بالخروج عن هذه العهدة لا بامتثال التكليف بعنوانه ، فلا بد من تحديد حدود هذه العهدة ، وأن حق الطاعة هل يشمل التكاليف المشكوكة أولا؟ فان ادعى عدم الشمول كان مصادرة ، وخروج البيان عن كونه برهانا ، وإن لم يفرغ عن عدم الشمول ، فلا يتم البرهان المذكور ، إذ كيف يفترض أن التحرك مع عدم العلم بالتكليف بلا مقتض ، مع ان المقتضى للتحرك هو حق الطاعة الذى ندعى شموله للتكاليف المشكوكة أيضا؟!وأما الوجه الثانى فهو قياس لحق الطاعة الثابت للمولى ( سبحانه وتعالى ) على حق الطاعة الثابت للامر العقلائى ، وهو قياس بلا موجب ، لان حق الطاعة للامر العقلائى مجعول لا محالة من قبلالعقلاء ، أو آمر أعلى ، فيكون محددا سعة وضيقا تبعا لجعله ، وهو عادة يجعل فى حدود التكاليف المقطوعة ، وأما حق الطاعة للمولى سبحانه فهو حق ذاتى تكوينى غير مجعول ، ولا يلزم من ضيق دائرة ذلك الحق المجعول ضيق دائرة هذا الحق الذاتى ، كما هو واضح ، فالمعول فى تحديد دائرة هذا الحق على وجدان العقل العملى ، وهو يقتضى التعميم.فالصحيح إذن أن القاعدة العملية الاولية هى أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص فى ترك التحفظ.القاعدة العملية الثانوية فى حالة الشكوالقاعدة العملية الثانوية فى حالة الشك التى ترفع موضوع القاعدة الاولى هى البراءة الشرعية.ومفادها : الاذن من الشارع فى ترك التحفظ والاحتياط تجاه التكليف المشكوك ، ولما كانت القاعدة الاولى مقيدة بعدم ثبوت الترخيص فى ترك التحفظ ، كانت البراءة الشرعية رافعة لقيدها ، ونافية لموضوعها ، ومبدلة للضيق بالسعة.ويستدل لاثبات البراءة الشرعية بعدد من الايات الكريمة والروايات. أما الايات فعديدة.منها : قوله سبحانه وتعالى : « لا يكلف الله نفساإلا ما آتاها » (١).وتقريب الاستدلال بالاية الكريمة : أن اسم الموصول فيها ، إما أن يراد به المال ، أو الفعل ، أو التكليف ، أو الجامع ، والاول هو المتيقن ، لانه المناسب لمورد الايات حيث أمرت بالنفقة وعقبت ذلك بالكبرىالمذكورة ، ولكن لا موجب للاقتصار على المتيقن ، بل نتمسك بالاطلاق لاثبات الاحتمال الاخير ، فيكون معنى الاية الكريمة ، أن الله لا يكلف مالاإلا بقدر ما رزق وأعطى ، ولا يكلف بفعل إلا فى حدود ما أقدر عليه من أفعال ، ولا يكلف بتكليف إلا إذا كان قد آتاه وأوصله إلى المكلف ، فالايتاء بالنسبة إلى كل من ( المال ) و ( الفعل ) و ( التكليف ) بالنحو المناسب له. فينتج أن الله تعالى لا يجعل المكلف مسؤولا تجاه تكليف غير واصل وهو المطلوب.وقد اعترض الشيخ الانصارى على هذا الاستدلال ، بأن إرادة الجامع من اسم الموصول غير ممكنة ، لان اسم الموصول حينئذ بلحاظ شموله للتكليف يكون مفعولا مطلقا ، وبلحاظ شموله للمال يكون مفعولا به ، والنسبة بين الفعل والمفعول المطلق تغاير النسبة بين الفعل والمفعول به ، فان الاولى هى نسبة الحدث إلى طور من أطواره ، والثانية هى نسبة المغاير إلى المغاير ، فيلزم من استعمال الموصول فى الجامع إرادة كلتا النسبتين من هيئة ربط الفعل بمفعوله ، وهو من استعمال اللفظ فى معنيين ، مع أن كل لفظ لا يستعمل إلا فى معنى واحد.ومنها : قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) (١).وتقريب الاستدلال بالاية الكريمة ، أنها تدل على أن الله تعالى لا يعذب حتى يبعث الرسول ، وليس الرسول إلا كمثال للبيان ، فكأنه قال : لا عقاب بلا بيان.ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن غاية ما يقتضيه نفى(١) سورة الاسراء : ١٥.العقاب فى حالة عدم صدور البيان من الشارع لا فى حالة صدوره وعدم وصوله إلى المكلف ، لان الرسول إنما يؤخذ كمثال لصدور البيان من الشارع لاللوصول الفعلى إلى المكلف. وما نحن بصدده إنما هو التأمين من ناحية تكليف لم يصل إلينا بيانه حتى ولو كان هذا البيان قد صدر من الشارع.ومنها : قوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ، أو دما مسفوحا ، أو لحم خنزير ، فانه رجس ، أو فسقا أهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم ) (١).وتقريب الاستدلال بالاية الكريمة : أن الله تعالى لقن نبيه (ص) كيفية المحاجة مع اليهود ، فيما يرونه محرما ، بأن يتمسك بعدم الوجدان ، وهذا ظاهر فى أن عدم الوجدان كاف للتأمين.ويرد عليه أن عدم وجدان النبى فيما اوحى إليه يساوق عدم الوجود الفعلى للحكم ، فكيف يقاس على ذلك عدم وجدان المكلف المحتمل أن يكون بسبب ضياع النصوص الشرعيةومنها : قوله تعالى : ( وما كان الله ليضل قوما بعدإذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شىء عليم ) (٢).وتقريب الاستدلال بالاية الكريمة أن المراد بالاضلال فيها ، إما تسجيلهم ضالين ومنحرفين ، وإما نوع من العقاب ، كالخذلان والطرد من أبواب الرحمة ، وعلى أى حال فقد أنيط الاضلال ببيان ما يتقون(١) سورة الانعام : ١٤٥.(٢) سورة التوبة : ١١٥.لهم ، وحيث أضيف البيان لهم فهو ظاهر فى وصوله إليهم ، فمع عدم وصول البيان لا عقاب ولا ضلال ، وهو معنى البراءة.وأما الروايات فعديدة أيضا.منها : ما روى عن الصادق عليه‌السلام من قوله : ( كل شى مطلق حتى يردفيه نهى ) (١). والاطلاق يساوق السعة والتأمين ، والشاك يصدق بشأنه أنه لم يرده النهى فيكون مؤمنا عن التكليف المشكوك ، وهو المطلوب.وقد يعترض على هذا الاستدلال بأن الورود تارة يكون بمعنى الصدور ، وأخرى بمعنى الوصول ، فاذا كان مفاد الرواية جعل صدور النهى غاية فلا يتم الاستدلال ، لان الشاك يحتمل صدور النهى وتحقق الغاية ، وإذا كان مفادها جعل وصول النهى إلى المكلف غاية ثبت المطلوب ، ولكن لا معين للثانى فلا يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة.وقد يجاب على ذلك بأن الورود دائما يستبطن حيثية الوفود على شىء فلا يطلق على حيثية الصدور البحتة.ولكن مع هذا لا يتم الاستدلال إذ لم يعلم أن الملحوظ فيه وفود النهى على المكلف المساوق لوصوله إليه ، بل لعل الملحوظ وفوده على الشىء نفسه ، كما يناسبه قوله يرد فيه نهى ، فكأن النهى يرد على المادة فهناك مورود عليه ومورود عنه بقطع النظر عن المكلف ، وهذا يعنى أن الغاية صدور النهى من الشارع ووقوعه على المادة ، سواء وصل إلى المكلف أولا ، فلا يتم الاستدلال.ومنها : حديث الرفع وهو الحديث المروى عن النبى (ص) ، ومفاده : رفع عن أمتى تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما اكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكر فى الوسوسة فى الخلق ما لم ينطق بشفة (١).وتقريب الاستدلال بفقرة ( رفع ما لا يعلمون ) يتم على مرحلتين :الاولى : أن هذا الرفع يوجد فيه بدوا احتمالان :أحدهما : أن يكون رفعا واقعيا للتكليف المشكوك ، فيكون الحديث مقيدا ومخصصا لاطلاق أدلة الاحكام الواقعية الالزامية بفرض العلم بها.والاخر : أن يكون رفعا ظاهريا ، بمعنى تأمين الشاك ونفى وجوب الاحتياط عليه ، فى مقابل وضع التكليف المشكوك وضعا ظاهريا بايجاب الاحتياط تجاهه. وكل من الاحتمالين ينفع لاثبات السعة ، لان التكليف المشكوك منفى إما واقعا ، وإما ظاهرا ، ولكن الاحتمال الاول ساقط ، لانه يؤدى إلى تقيد الاحكام الواقعية الالزامية بالعلم بها ، وقد سبق أن أخذ العلم بالحكم قيدا لنفس الحكم مستحيل.فان قيل : أو لستم قلتم بامكان أخذ العلم بالجعل فى موضوع المجعول؟.قلنا : نعم. ولكن ظاهر الحديث أن المرفوع والمعلوم شىء واحد ، بمعنى أن الرفع والعلم يتبادلان على مركز واحد ، فاذا افترضنا أن العلم بالجعل مأخوذ فى موضوع المجعول ، فهذا معناه أن العلم لوحظ متعلقابالجعل ، وأن الرفع إنما هو رفع للمجعول بتقييده بالعلم بالجعل ، وهذا خلاف ظاهر الحديث ، فلا بدإذن من افتراض أن الرفع يتعلق بالمجعول ، وكذلك العلم فكأنه قال : الحكم المجعول مرفوع حتى يعلم به. وعلى هذا الاساس يتعين حمل الرفع على أنه ظاهرى لا واقعى ، وإلا لزم أخذ العلم بالمجعول قيدا لنفس المجعول وهو محال.الثانية : أن الشك فى التكليف تارة يكون على نحو الشبهة الموضوعية ، كالشك فى حرمة المائع المردد بين الخل والخمر ، وأخرى يكون على نحو الشبهة الحكمية ، كالشك فى حرمة لحم الارنب مثلا ، وعليه فالرفع الظاهرى فى فقرة ( رفع ما لا يعلمون ) قد يقال باختصاصه بالشبهة الموضوعية ، وقد يقال باختصاصه بالشبهة الحكمية ، وقد يقال بعمومه لكلتا الشبهتين.أما الاحتمال الاول فقد استدل عليه بوحدة السياق لاسم الموصول فى الفقرات المتعددة ، إذ من الواضح أن المقصود منه ، فيما اضطرواإليه ونحوه الموضوع الخارجى ، أو الفعل الخارجى ، لا نفس التكليف. فيحمل ما لا يعلمون على الموضوع الخارجى أيضا ، فيكون مفاد الجملة حينئذ ، أن الخمر غير المعلوم مرفوع الحرمة ، كما أن الفعل المضطر إليه مرفوع الحرمة ، فلا يشمل حالات الشك فى أصل جعل الحرمة على نحو الشبهة الحكمية والتحقيق أن وحدة السياق إنما تقتضى كون مدلول اللفظ المتكرر واحدا فى السياقالواحد ، لا كون المصاديق من سنخ واحد ، فاذا افترضنا أن اسم الموصول قد استعمل فى جميع تلك الفقرات فى معناه العام المبهم ، غير أن مصداقه يختلف من جملة إلى اخرى باختلاف صفاته لم تنثلم بذلك وحدة السياق فى مرحلة المدلول الاستعمالى.وأما الاحتمال الثانى فيستندإلى أن ظاهر ( ما لا يعلمون ) أن يكون نفس ما بازاء اسم الموصول غير معلوم ، فان كان ما بازائه التكليف فهو بنفسه غير معلوم ، وإن كان ما بازائه الموضوع الخارجى ، فهو بنفسه ليس مشكوكا وإنما المشكوك كونه خمرا مثلا. فلا يكون عدم العلم مسندا إلى مدلول اسم الموصول حقيقة ، وهذا خلاف ظاهر الحديث ، فيتعين أن يراد باسم الموصول التكليف ، ومعه يختص بالشبهة الحكمية.ويرد عليه أولا : أن بالامكان أن يكون ما بازاء اسم الموصول نفس عنوان الخمر لا المائع المشكوك كونه خمرا ، فعدم العلم يكون مسنداإليه حقيقة.وثانيا : لو سلمنا أن ما بازاء اسم الموصول ينبغى أن يكون هو التكليف ، فان هذا لا يوجب الاختصاص بالشبهة الحكمية ، لان التكليف بمعنى الحكم المجعول مشكوك فى الشبهة الموضوعية أيضا.وأما الاحتمال الثالث فهو يتوقف على تصوير جامع يمكن أن يراد باسم الموصول على نحو ينطبق على الشبهة الحكمية والموضوعية ، وهذا الجامع له فرضيتان :الاولى : أن يراد باسم الموصول ( الشىء ) ، سواء كان تكليفا أو موضوعا خارجيا. واعترض على ذلك بأن إسناد الرفع إلى التكليف حقيقى لانه قابل للرفع بنفسه وإسناده إلى الموضوع مجازى وبلحاظ حكمه ، ولا يمكن الجمع بين الاسناد الحقيقى والمجازى فى استعمال واحد.والجواب : أن إسناد الرفع إلى التكليف ليس حقيقيا أيضا ، لما عرفت سابقا من أنه رفع ظاهرى لا واقعى ، فالاسنادان كلاهماعنائيان.الثانية : أن يراد باسم الموصول التكليف المجعول وهو مشكوك فى الشبهة الحكمية والموضوعية معا ، وإنما يختلفان فى منشأ الشك ، فان المنشأ فى الاولى عدم العلم بالجعل ، وفى الثانية عدم العلم بالموضوع.والمعين للاحتمال الثالث بعد تصوير الجامع هو الاطلاق ، فتتم دلالة حديث الرفع على البراءة ونفى وجوب التحفظ والاحتياط.ومنها : رواية زكريا بن يحيى عن أبى عبدالله عليه‌السلام انه قال : ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) (١). فان الوضع عن المكلف تعبير آخر عن الرفع عنه ، فتكون دلالة هذه الرواية على وزان دلالة الحديث السابق ، ويستفاد منها نفى وجوب التحفظ والاحتياط.وقد يلاحظ على الاستدلال أمران :أحدهما : ان الحجب هنا اسندإلى الله تعالى فيختص بالاحكام المجهولة التى ينشأ عدم العلم بها من قبل الشارع لاخفائه لها ، ولا يشمل ما تشك فيه عادة من الاحكام التى يحتمل عدم وصولها لعوارض اتفاقية.ويرد عليه : أن الحجب لم يسند إلى المولى سبحانه بما هو شارع وحاكم لينصرف إلى ذلك النحو من الحجب ، بل اسند إليه بما هو رب العالمين ، وبيده الامر من قبل ومن بعد ، وبهذا يشمل كل حجب يقع فى العالم ، ولا موجب لتقييده بالحجب الواقع منه بما هو حاكم.والاخر : أن موضوع القضية ما حجب عن العباد ، فتختص بما كان.غير معلوم لهم جميعا ، فلا يشمل التكاليف التى يشك فيها بعض العباد دون بعض.وقد يجاب على ذلك باستظهار الانحلالية من الحديث ، بمعنى أن كل ما حجب عن عبد فهو موضوع عنه ، فالعباد لوحظوا بنحو العموم الاستغراقى لا العموم المجموعى.ومنها : رواية عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه‌السلام أنه قال : ( كل شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال [ أبدا ] ، حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ) (١).وتقريب الاستدلال أنها تجعل الحلية مع افتراض وجود حرام وحلال واقعى ، وتضع لهذه الحلية غاية ، وهى تمييز الحرام ، فهذه الحلية ظاهرية إذن ، وهى تعبير آخر عن الترخيص فى ترك التحفظ والاحتياط.ولكن ذهب جماعة من المحققين إلى أن هذه الرواية مختصة بالشبهات الموضوعية ، وذلك لقرينتين :الاولى : أن ظاهر قوله ( كل شىء فيه حلال وحرام ) افتراض طبيعة منقسمة فعلاإلى أفراد محللة وأفراد محرمة ، وأن هذا الانقسام هو السبب فى الشك فى حرمة هذا الفرد أو ذاك ، وهذاإنما يصدق فى الشبهة الموضوعية ، لا فى مثل الشك فى حرمة شرب التتن مثلا وأمثاله من الشبهات الحكمية ، فان الشك فيها لا ينشأ من تنوع أفراد الطبيعة ، بل من عدم وصول النص الشرعى على التحريم.الثانية : أن مفاد الحديث إذا حمل على الشبهة الحكمية كانت كلمة ( بعينه ) تأكيدا صرفا ، لان العلم بالحرام فيها مساوق للعلم بالحرام بعينه عادة. وأما إذا حمل على الشبهة الموضوعية كان للكلمة المذكورة فائدة ملحوظة لاجل حصر الغاية للحلية بالعلم التفصيلى دون العلم الاجمالى الذى يغلب تواجده فى الشبهات الموضوعية ، إذ من الذى لا يعلم عادة بوجود جبن حرام ، وبوجود لحم حرام ، وبوجود شراب نجس؟ وإنما الشك فى أن هذا الجبن أو اللحم أو الشراب المعين هل هو من الحرام النجس أولا؟ وعليه فيكون الحمل على الشبهة الموضوعية متعينا عرفا ، لان التأكيد الصرف خلاف الظاهر.هذه هى أهم النصوص التى استدل بها على البراءة من الكتاب والسنة. وقد لا حظنا أن بعضها تام الدلالة.وقد يضاف إلى ذلك التمسك بعموم دليل الاستصحاب ، وذلك بأحد لحاظين :الاول : أن نلتفت إلى بداية الشريعة فنقول : إن هذا التكليف المشكوك لم يكن قد جعل فى تلك الفترة يقينا ، لان تشريع الاحكام كان تدريجيا فيستصحب عدم جعل ذلك التكليف.الثانى : أن يلتفت المكلف إلى حالة ما قبل تكليفه ، كحالة صغره مثلا ، فيقول : إن هذا التكليف لم يكن ثابتا على فى تلك الفترة يقينا ، ويشك فى ثبوته بعد البلوغ فيستصحب عدمه.وقد اعترض المحقق النائينى قدس‌سره على إجراء الاستصحاب بأحد هذين اللحاظين ، بأن استصحاب عدم حدوث ما يشك فى حدوثه ، إنما يجرى إذا كان الاثر المطلوب إثباته بالاستصحاب منوطا بعدم الحدوث ، فنتوصل إليه تعبدا بالاستصحاب. ومثاله : أن نشك فى حدوث النجاسة فى الماء ، والاثر المطلوب تصحيح الوضوء به ، وهو منوط بعدم حدوث النجاسة ، فنجرى استصحاب عدم حدوث النجاسة ونثبت بالتعبد الاستصحابى أن الوضوء به صحيح ، وأماإذا كان الاثر المطلوب إثباته بالاستصحاب يكفى فى تحققه واقعا مجرد عدم العلم بحدوث ذلك الشىء ، فيكون ذلك الاثر محققا وجدانا فى حالة الشك فى الحدوث ، ولا نحتاج حينئذإلى إجراء استصحاب عدم الحدوث ، ومثال ذلك : محل الكلام لان الاثر المطلوب هنا هو التأمين ونفى استحقاق العقاب ، وهذا الاثر مترتب على مجرد عدم البيان وعدم العلم بحدوث التكليف وفقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فهو حاصل وجدانا ، وأى معنى حينئذ لمحاولة تحصيله تعبدا بالاستصحاب ، وهل هو إلا نحو من تحصيل الحاصل.وهذا الاعتراض غير صحيح لعدة اعتبارات.منها : أننا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فالاثر المطلوب لا يكفى فيه إذن مجرد عدم العلم ، كما هو واضح من مسلك حق الطاعةومنها : أنه حتى إذا آمنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا شك فى أن قبح العقاب على مخالفة تكليف مشكوك لم يصل إذن الشارع فيه ثابت بدرجة أقل من قبحه على مخالفة تكليف مشكوك قد بين إذن الشارع فى مخالفته ، والمطلوب بالاستصحاب تحقيق هذه الدرجة الاعلى من قبح العقاب والمعذرية ، وما هو ثابت بمجرد الشك الدرجة الادنى ، فليس هناك تحصيل للحاصل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فتنة الاعور الدجال

فتنة الاعور الدجال - الجزء الثاني